مقدمة:

يشهد قطاع الطاقة في سوريا أحد أصعب مراحله منذ عقود، نتيجة التدهور الكبير في البنية التحتية الكهربائية خلال سنين الحرب وتراجع كميات إنتاج الغاز والوقود اللازمين لتشغيل محطات التوليد التقليدية. هذا الوضع أدى إلى فجوة واسعة بين العرض والطلب، وانعكست على شكل انقطاعات طويلة وتكاليف تشغيل مرتفعة وضغط هائل على الاقتصاد الوطني بما في ذلك قطاع الزراعة وقطاع الصناعات الحيوية. في ظل هذا الواقع تصبح مصادر الطاقة المتجددة بما فيها طاقة الرياح كمصدر أساسي خياراً استراتيجياً للمساعدة في سد العجز وتخفيف الضغط على الشبكة الكهربائية، إضافة لدورها في دعم مرحلة إعادة الإعمار. فمشاريع الرياح تمتاز بانخفاض تكاليف التشغيل وسرعة التنفيذ وقدرتها على توفير طاقة مستقرة على المدى الطويل إذا ما دعمت بمحطات تخزين الطاقة وتكاملت مع بقية مصادر توليد الطاقة. حيث أن ذلك يزيد من استدامة الإمدادات الكهربائية ويحقق توزان أكبر في الشبكة الكهربائية ويخفف الطلب على المصادر التقليدية لتوليد الكهرباء.

كمون طاقة الرياح في سورية والمناطق الواعدة والإمكانيات التقنية:

تعد سوريا من الدول ذات الإمكانيات الريحية الجيدة في الشرق الأوسط وقد أظهرت دراسات سايقة منها أطلس الرياح الوطني عام 1989 وحملات القياس المنفذة بين عامي 2004 – 2006، وجود سرعات رياح سنوية تتراوح بين 7.5 – 9 م/ثا على ارتفاع 40 م وترتفع إلى أكثر من 10 م/ثا عند ارتفاعات تتراوح بين 80 – 100 م تبعاً لأطلس الرياح العالمي.

أهم المناطق الواعدة لإقامة مشاريع رياح واسعة:

  • منطقة الكريدور الهوائي الممتدة من مدينة حمص حتى أطراف نهر الفرات في عمق البادية السورية وتحديداً السفوح الشمالية لسلسلة جبال تدمر الشمالية بالإضافة إلى منطقة جبل الضاحك بالقرب من السخنة. حيث تتمتع هذه المناطق بأعلى كمون رياح في البلاد مع تضاريس مفتوحة نسبياً ومستويات اضطراب منخفضة تبعاً لأطلس الرياح العالمي. تتضمن هذه المناطق أيضاً منطقة جبل البلعاس شمال شرق مدينة حمص.
  • مناطق قطينة والسنديانة في ريف حمص الغربي.
  • المناطق الجنوبية مثل الهيجانة (ريف دمشق) وغباغب (ريف درعا) ومنطقة جبل العرب في السويداء.
  • بعض المناطق في الشمال مثل منطقة باب الهوى في ريف حلب وبعض المناطق إلى الشمال الغربي من مدينة إدلب.
  • يسمح هذا التنوع الجغرافي بتطوير مشاريع تتجاوز قدرتها 2 غيغاوات خلال السنوات القادمة، إذا توفرت البيئية التشريعية والمالية المناسبة.

الإطار التشريعي والحوافز الحكومية:

  • أصدرت سوريا عدة قوانين تدعم الطاقة المتجددة وأبرزها:
  • قانون الكهرباء رقم /32/ لعام 2010 والذي يتضمن السماح للقطاع الخاص بإنتاج الكهرباء وبيعها.
  • قانون الطاقات المتجددة رقم /50/ لعام 2019 والذي يتضمن تقديم إعفاءات جمركية وضريبية وتحديد آليات التعرفة.
  • تعرفة الكهرباء (Feed-in-Tariff) والتي وضعت للمشاريع الصغيرة والمتوسطة لكنها ما تزال غير واضحة بما يكفي بما يتعلق بالمشاريع الكبيرة.
  • نقاط القوة في هذا الإطار بأنه يسمح للمستثمرين بالامتلاك والتشغيل لفترات طويلة وإعفاءات جمركية ملحوظة. مع وجود رغبة حكومية واضحة في دعم المشاريع المتعلقة بالطاقات المتجددة. ولكن يؤخذ على هذا الإطار غياب تعرفة واضحة لمزارع ا لرياح الكبيرة (Utility-Scale) وعدم وجود آلية فعالة لضمانات الدفع (Payment Guarantees) والحاجة لتحديث القوانين لتتناسب مع الاستثمار الدولي حالياً.

التحديات الرئيسية أمام المستثمرين:

  • تحديات تقييم مصادر الرياح وعدم وجود شبكة قياسات حديثة: أحد أهم التحديات التي سوف تواجه المستثمرين في قطاع طاقة الرياح في سوريا، هو تقييم مصادر الرياح وعدم وجود شبكة قياسات حديثة وشاملة. فمعظم البيانات المتوفرة تعتمد على قياسات قديمة جداً أو على حملات قياس محدودة أجريت في فترات سابقة، مما يجعل من الصعب الحصول على صورة دقيقة لواقع مصادر الرياح في المناطق المستهدفة. هذا النقص في البيانات يعني أن المستثمرين قد يواجهون تحديات في تقدير جدوى المشاريع بدقة مما يزيد من مستوى المخاطرة عند اتخاذ قرارات الاستثمار. لذا فإن تطوير شبكة قياسات رياح حديثة وتوسيع نطاق بيانات القياس الموثوقة هو أمر حيوي وعامل أساسي في تقليل المخاطر وعدم اليقين، وتشجيع الاستثمارات في هذا القطاع.
  • تحديات المخاطر الجيوسياسية: تشكل البيئة السياسية (رغم تحسنها في الفترة الأخيرة) غير المستقرة عائقاً رئيسياً أمام المستثمرين الدوليين الكبار، خاصة فيما يتعلق بضمانات الأمان على رأس المال وعلى تنفيذ المشاريع.
  • تحديات التمويل: مشاريع الرياح تتطلب استثمارات كبيرة (1- 1.3 مليون دولار لكل ميغا وات). غياب التمويل الدولي وقيود العقوبات التي لم تلغى بشكل كامل حتى الآن، يجعل الحصول على تمويل منخفض الكلفة أمر معقد.
  • تحديات الربط الكهربائي: ضعف الشبكة في الكثير من المناطق والحاجة لبناء خطوط نقل جديدة على مختلف الجهود وخاصة 66 ك. ف و230 ك. ف. وانخفاض مستويات تيارات القصر (Short-Circuit levels) ما يفرض قيوداً إضافية. انخفاض مستويات تيارات القصر يعني أن قدرة الشبكة على تحمل تيارات العطل المفاجئة محدودة. وهذا يؤثر على الشبكة بحيث تحتاج إلى تعزيزات إضافية مثل المفاعلات (Reactors) أو المكثفات في محطات التحويل لتحسين استقرار الفولتية، أو بناء خطوط نقل إضافية. أما بالنسبة لمزرعة الرياح نفسها، فإنها تحتاج إلى أنظمة حماية متقدمة مثل قواطع التيار وأنظمة (Fault Ride-Through) لضمان الاستقرار. بالإضافة إلى ذلك، تُستخدم تقنيات مثل (SVC – Static Var Compensator) أو الأكثر تقدماً (STATCOM – Static Synchronous Compensator) في مزارع الرياح لتعويض الاستطاعة ومنع تأثيرات مثل (Voltage Flickering)، مما يضمن استقرار الشبكة وحماية المزرعة من التقلبات السريعة.
  • تحديات تأمين الخدمات اللوجستية: والتي تتضمن نقل مكونات عنفات الرياح (خاصة الأبراج والشفرات) والمعدات اللازمة. حيث أن هذا كله يتطلب بنى تحتية وطرق مناسبة ومعدات وآليات معينة.
  • تحديات تكاليف التشغيل والصيانة: من التحديات الرئيسية التي قد يواجهها المستثمرون قطاع طاقة الرياح في سوريا، هي مسألة ارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة. فعلى الرغم من أن طاقة الرياح تعتبر خياراً تنافسياً على المدى الطويل، إلا أن تكاليف الصيانة الدورية وصيانة المكونات الرئيسية (مثل الشفرات وعلب السرعة أي مكونات أخرى) يمكن أن تشكل نسبة تتراوح بين 20% إلى 30% من إجمالي تكلفة إنتاج الكهرباء على مدى العمر الاستثماري للمشروع. بالإضافة إلى ذلك، فإن بعد سوريا نسبياً عن الدول المصنعة لمكونات العنفات، يضيف تكاليف لوجستية إضافية، مما يرفع من الأعباء المتعلقة بالتشغيل والصيانة. هذا يعني بأن ضمان جاهزية قطع الغيار وخدمات الصيانة قد يستغرق وقتاً أطول ويكلف أكثر وخاصة بأنه قد يرتبط بتوقف ا لإنتاج جزئياً ريثما يتم تأمين قطع الغيار وأجراء الأعمال المتعلقة بالصيانة. وهو تحد إضافي يجب أخده بعين الاعتبار ويجب أن يدخل ضمن حسابات الجدوى الاقتصادية.

الميزات التنافسية لطاقة الرياح مقارنة بمصادر الطاقة الأخرى:

  • تكاليف إنتاج منخفضة (LCOE) مقارنة بالديزل والفيول والغاز.
  • سرعة تنفيذ: 12 – 24 شهر لمزرعة رياح جاهزة حسب حجمها.
  • إنتاجية عالية في المواقع الجيدة حيث قد تصل عوامل السعة (Capacity Factors) إلى قيم تتراوح بين 35 – 45% في بعض المواقع.
  • استقلالية عن الوقود الأحفوري مما يخفض الضغط على ميزان المدفوعات.
  • تتطلب مساحات أقل كثيراً (لكل ميغا وات) بالمقارنة بالطاقة الشمسية.
  • محدودية مصادر الغاز وعدم اقتصادية مصادر الديزل والفيول يرفع من تنافسية طاقة الرياح وخاصة أنها مصدر نظيف ومتجدد.

حلول مقترحة لتسهيل تمويل مشاريع طاقة الرياح:

  • اعتماد مشاريع من نوع BOO مع ضمانات حكومية.
  • شراكات إقليمية مع دول تمتلك شركات رائدة مثل تركيا والسعودية وقطر والصين.
  • صناديق استثمار مشتركة تجمع رأس مال محلي مع أجنبي مع خبرات أجنبية وتطوير الخبرات المحلية.
  • ربط المشاريع بمناطق صناعية حيث أمكن لضمان بيع الطاقة المنتجة. حيث أن ذلك غالبا ما يضمن وجود مشتري دائم (off-taker). حيث يضمن المستثمر بيع أكبر قدر من الطاقة المنتجة مما يخفف المخاطر المتعلقة بعدم بيع الطاقة المنتجة أو بيعها بأسعار غير مستقرة.
  • تقديم ضمانات دفع سيادية (sovereign Guarantees) أو توسيع دور المصارف المحلية. تقدم هذه الضمانات للمستثمرين أو الممولين من قبل الحكومة والتي تضمن لهم بأنه في حال التعثر وعدم قدرة الجهة المشغلة للمشروع على الدفع، فأن الحكومة سوف تتدخل وتدفع المستحقات وهذا سوف يخفف من مخاطر الاستثمار عبر التمويل ويشجع على ا لاستثمار في هذا القطاع. هذا من جهة ومن جهة ثانية هذا سوف يحفز البنوك المحلية أيضاً على لعب دور أكبر في مشاريع الطاقات المتجددة ومن ضمناها مشاريع طاقة الرياح من خلال التمويل الكامل أو الجزئي لتلك المشاريع.
  • اعتماد آلية تعرفة متغيرة مرتبطة بالدولار. حيث أن ذلك سوف يقلل من المخاطر المرتبطة بسعر الصرف.

تحليل النتائج:

  • العجز الكبير في الكهرباء يجعل من طاقة الرياح ضرورة وليس ترفاً.
  • مصادر السجل التاريخي للقياسات وأطلس الرياح الوطني وأطلس الرياح العالمي يثبت وجود موارد رياح جيدة ومجدية في الاستثمار.
  • لمعالجة التحدي المرتبط بتقييم مصادر الرياح، يمكن إنشاء شبكة قياسات وطنية حديثة تعتمد على مزيج من أجهزة الـ LiDAR وعدد من أبراج القياس القياسية وفق المعايير الدولية ذات الصلة في مواقع مختارة بعناية. وإدارة بياناتها مركزياً وفق برنامج واضح للـ (QA/QC). حيث أن ذلك سوف يتيح بناء قاعدة بيانات حديثة وموثوقة مما يعزز ثقة المستثمرين ويزيد جاذبية مشاريع طاقة الرياح ويقلل مخاطرها.
  • التشريعات مشجعة لكنها تحتاج تحديث جذري لتناسب المشاريع الكبيرة.
  • التحديات الجيوسياسية وتحديات التمويل يشكلان العقبتين الأكبر لكن من المتوقع في المستقبل القريب جداً انخفاض التحديات الجيوسياسية لأن البلد تتجه نحو الاستقرار السياسي بسرعة والتحديات المالية يمكن تجاوزها من خلال الشركات الإقليمية واعتماد نماذج مالية حديثة.
  • الرياح تقدم مزيج جيد بين الكلفة والعائد والاستدامة فيما يتعلق بالظروف الحالية في سوريا.

الخلاصة:

رغم التحديات، فإن سوريا تمتلك فرصة حقيقة لجعل طاقة الرياح إحدى ركائز إعادة بناء قطاع الطاقة. فالموارد الريحية جيدة والتكنولوجيا متوفرة والتكاليف أصبحت اقل من أي وقت مضى. فإذا ما تم تحديث الإطار التشريعي وتحسين بيئة الاستثمار وإلغاء العقوبات نهائياً وفتح الباب أمام التمويل الدولي، يمكن لسوريا أن تنتقل تدريجياً من أزمة كهرباء خانقة إلى قطاع كهرباء مستدام وفعال يوماً بعد يوم. حيث أن مستقبل الاستثمار في طاقة الرياح في سوريا هو خيار اقتصادي واستراتيجي يرتبط بمستقبل أعادة الإعمار.